
الجارة التي كانت تسمع البكاء
لم تكن أم خالد من النساء اللواتي يتدخلن في حياة الناس. كانت تقول دائمًا: "للبيوت أسرارها." لكنها، كل ليلة تقريبًا، كانت تسمع بكاء خافتًا يأتي من شقة ندى في الطابق المقابل.
في البداية ظنت أن الأمر عابر. ربما خلاف عادي، ربما تعب، ربما حنين لأهل بعيدين. لكن البكاء تكرر حتى صار جزءًا من ليل العمارة، مثل صوت المصعد القديم وهدوء الشارع بعد منتصف الليل.
ذات صباح، وجدت أم خالد ورقة صغيرة تحت بابها. مكتوب فيها بخط مرتبك: "هل يمكن أن أجلس معك قليلًا؟ لا أريد نصيحة، أريد أن أتكلم."
فتحت الباب فوجدت ندى واقفة بعينين متعبتين. أدخلتها بهدوء، حضرت لها الشاي، وجلست تنتظر. لم تسألها: ماذا حدث؟ لم تقل: اصبري. فقط قالت: "احكي على راحتك."
تحدثت ندى عن وحدتها، عن زوج يعمل كثيرًا ولا يسمع، عن أهل بعيدين، وعن خوفها من أن تبدو ضعيفة. لم يكن في قصتها شر كبير، لكن فيها إهمالًا صغيرًا تراكم حتى صار جبلًا.
قالت أم خالد في النهاية: "البيوت لا تنهار فجأة يا بنتي، تنهار لما نسكت عن الشقوق الصغيرة." ثم شجعتها أن تتكلم مع زوجها بهدوء، لا كمعركة، بل كاستغاثة.
بعد أيام، رأت أم خالد ندى وزوجها يصعدان الدرج معًا، يحملان أكياس السوق ويتحدثان. لم تكن تعرف إن كانت المشكلة انتهت، لكنها لاحظت أن البكاء توقف. وأحيانًا لا يحتاج الإنسان إلا بابًا يُفتح له في الوقت المناسب.




