
كل خميس كنت أكذب عليه – الجزء الثالث: أختي التي كانت تعرف أكثر مني
حدقت في الصورة حتى بدأت ملامح رنا تتشوش أمامي.
أختي.
الشخص الوحيد الذي كنت أعتقد أنني أستطيع أن أحكي له كل شيء دون أن أخاف أن يستخدمه ضدي.
عدت إلى البيت وأنا لا أعرف أي سؤال يجب أن أطرحه أولًا.
هل أسأل سامر لماذا راقبني؟
أم لماذا أرسل كريم إليّ؟
أم لماذا جعل حياتنا الزوجية اختبارًا سخيفًا؟
فتحت الباب.
كان سامر جالسًا في الصالة.
وحده.
أمامه فنجان قهوة، وكأنه كان ينتظر عودتي من زيارة عادية فعلًا.
رفع عينيه نحوي.
قال بهدوء:
— «تأخرتِ عند صاحبتك.»
أغلقت الباب خلفي.
لم أخلع معطفي.
أخرجت هاتفي وفتحت الصورة التي أرسلها لي.
وضعتها أمامه.
قلت:
— «ليش؟»
نظر إلى الشاشة، ثم إليّ.
لم يحاول الإنكار.
قلت مرة ثانية:
— «ليش عملت فيّ هيك؟»
تنهد.
— «كنت بدي أعرف الحقيقة.»
ضحكت.
— «الحقيقة؟ ترسل رجل يحكي مع مرتك، وبعدين تراقبها، وبتسمي هاد حقيقة؟»
قال:
— «أنا ما كنت متوقع الأمور توصل لهون.»
— «بس كنت متوقع إني أرد عليه.»
سكت.
وهذا الصمت أصبح أكثر شيء أكرهه فيه.
قلت:
— «مين حكى لك عن كريم من البداية؟»
رفع عينيه نحوي.
للحظة شعرت أنه لن يجيب.
ثم قال:
— «رنا.»
توقفت.
— «مين؟»
— «أختك.»
شعرت أنني لم أسمع جيدًا.
جلست على الكرسي المقابل له.
— «شو دخل رنا؟»
قال:
— «رنا هي أول وحدة تواصلت معي.»
— «إمتى؟»
تردد.
— «من حوالي سبعة شهور.»
سبعة شهور.
قبل كريم.
قبل الرسائل.
قبل الخميسات التي بدأت أكذب فيها.
قلت:
— «إنت ورنا بتحكوا من سبعة شهور؟»
— «آه.»
— «وبتتقابلوا؟»
لم يجب فورًا.
صرخت:
— «سامر!»
قال:
— «آه… تقابلنا.»
شعرت بيدي تبردان.
— «كم مرة؟»
— «أكثر من مرة.»
نهضت.
لم أعد أستطيع الجلوس.
— «وأنا الهبلة اللي مفكرة أختي الوحيدة اللي واقفة معي.»
قال بسرعة:
— «ما كان بيني وبين رنا شي.»
التفت إليه.
— «طبعًا. نفس الجملة اللي كل واحد بيحكيها قبل ما أعرف المصيبة الأكبر.»
قال:
— «رنا كانت خايفة عليك.»
ضحكت باستهزاء.
— «مني؟»
— «من وضعك.»
ثم أكمل:
— «هي اللي حكتلي إنك مش مرتاحة. قالت إنك أكثر من مرة حكيتي إنك مش قادرة تكملي، وإنك حاسة حالك لحالك.»
قلت:
— «وإنت بدل ما تسأل مرتك، رحت تقابل أختها سرًا؟»
خفض رأسه.
— «كنت بدي أفهم.»
— «سبعة شهور بدك تفهم؟»
لم يجب.
أخرجت هاتفي واتصلت برنا.
ردت بعد عدة رنات.
— «هالة؟»
قلت:
— «تعالي عندي.»
— «هلا؟ شو في؟»
— «رنا… لا تسأليني. تعالي.»
سمعت التوتر في صوتها.
— «سامر عندك؟»
تجمدت.
نظرت إليه.
قلت:
— «كيف عرفتي إني بحكي عن سامر؟»
سكتت.
أغلقت الخط.
نظرت إلى سامر.
— «هي عارفة.»
قال:
— «هالة…»
— «هي عارفة كل شي.»
بعد أقل من نصف ساعة، وصلت رنا.
دخلت الصالة ورأتني أنا وسامر جالسين بعيدًا عن بعض.
لم تسأل ماذا حدث.
عرفت مباشرة.
قلت:
— «اقعدي.»
جلست.
كانت شاحبة.
وضعت حقيبتها بجانبها، لكنها لم تخلع معطفها.
قلت:
— «من إمتى بتحكي مع زوجي؟»
نظرت إلى سامر.
قلت:
— «لا تطلعي عليه. أنا بسألك إنتِ.»
قالت:
— «هالة، الموضوع مش مثل ما شكلك فاهمة.»
ضحكت.
— «غريب. اليوم كل الناس بتحكيلي نفس الجملة.»
خفضت رأسها.
قلت:
— «سبعة شهور؟»
أومأت.
— «ليش؟»
قالت:
— «كنت خايفة عليك.»
— «من شو؟»
— «من حالك.»
اقتربت منها.
— «رنا، أنا حكيتلك عن زواجي لأني أختك، مش عشان تروحي تنقلي كلامي لزوجي.»
قالت بسرعة:
— «ما نقلتله كل شي.»
— «هذا اللي مضايقك؟ إنك ما نقلتيله كل شي؟»
بدأت عيناها تمتلئان بالدموع.
قال سامر:
— «هالة، هي كانت بتحاول تساعد.»
نظرت إليه.
— «إنت اسكت.»
ثم عدت أنظر لرنا.
— «وكريم؟»
تغير وجهها.
لاحظت ذلك فورًا.
قلت:
— «شو مال كريم؟»
— «ولا شي.»
— «رنا.»
— «هالة، خلينا نحكي عنك وعن سامر.»
وقفت أمامها.
— «إنتِ بتعرفي كريم؟»
لم تجب.
سامر أغلق عينيه للحظة.
وهنا فهمت أن هناك شيئًا آخر.
قلت:
— «إنت كمان بتعرف إنها بتعرفه؟»
قال سامر:
— «هالة…»
قلت:
— «حد يحكي قبل ما أفقد عقلي.»
رنا بدأت تبكي.
قالت بصوت منخفض:
— «كنت بعرف كريم قبلك.»
لم أفهم.
— «شو يعني قبلي؟»
— «كنت أحكي معه.»
— «قديش؟»
سكتت.
قلت:
— «رنا!»
قالت:
— «فترة.»
— «أي فترة؟»
رفعت عينيها نحوي.
ثم قالت:
— «قبل ما يراسلك.»
شعرت أن الغرفة أصبحت أصغر.
قلت:
— «كان بينكم علاقة؟»
مسحت دموعها.
— «آه.»
نظرت إلى سامر.
كان يعرف.
كل شخص في الغرفة كان يعرف شيئًا لا أعرفه أنا.
قلت:
— «وإنت ليش ما حكيتيلي؟»
قالت رنا:
— «لأنه انتهى.»
— «ليش انتهى؟»
لم تجب.
سامر قال:
— «رنا… احكيلها.»
صرخت به:
— «لا تحكي بدلها!»
ثم نظرت إلى أختي.
— «ليش انتهى؟»
قالت:
— «لأني حملت.»
لم أتحرك.
حتى أنني لم أفهم الكلمة في البداية.
— «شو؟»
دموعها نزلت.
— «كنت حامل.»
جلست.
لم تستطع قدماي حملي.
قلت:
— «من كريم؟»
أومأت.
نظرت إلى سامر.
هو أيضًا كان يعرف.
قلت:
— «ووين الطفل؟»
انفجرت رنا بالبكاء.
قالت:
— «ما كمل الحمل.»
حل صمت ثقيل.
كل غضبي توقف للحظة.
مددت يدي نحوها، ثم سحبتها.
كنت أريد احتضان أختي.
وفي الوقت نفسه كنت أريد أن أعرف لماذا أخفت عني كل هذا.
قلت:
— «ليش ما حكيتيلي؟»
قالت:
— «لأن كريم أنكر.»
— «أنكر شو؟»
— «إنه الطفل إله.»
قلت:
— «بس إنتِ متأكدة؟»
رفعت عينيها نحوي.
— «متأكدة.»
سامر تحرك في مكانه.
قالت رنا:
— «لما صار معي النزيف، كريم ما رد علي.»
نظرت إلى سامر.
— «سامر هو اللي أخذني عالمستشفى.»
لم أتنفس للحظة.
بدأت القطع تتجمع بطريقة أسوأ من قبل.
قلت:
— «سامر؟»
قال:
— «ما كان معها حدا.»
رنا أكملت:
— «هو اللي دفع تكاليف المستشفى.»
قلت:
— «وليش إنت؟»
قال سامر:
— «لأنها أختك.»
ضحكت بمرارة.
— «وفجأة صرت مهتم بأختي أكثر مني؟»
قال:
— «هالة، الوضع كان طارئ.»
رنا قالت:
— «في المستشفى احتاجوا بيانات، وأنا كنت منهارة… سامر دخل معي وسجلوه كزوجي.»
رفعت رأسي بسرعة.
— «شو؟»
قال سامر:
— «كان إجراء عشان يدخلوني معها بسرعة، مش أكثر.»
نظرت إليهما.
سبعة شهور من اللقاءات.
مستشفى.
حمل.
زوجي مسجل كزوج أختي.
وكريم في منتصف كل هذا.
قلت:
— «طيب مين الأب؟»
رنا قالت فورًا:
— «كريم.»
لكن سامر لم يقل شيئًا.
لاحظت صمته.
قلت:
— «سامر؟»
قال:
— «عملنا فحص.»
نظرت إليه رنا.
قال:
— «أنا عملت فحص أبوة بعد اللي صار. النتيجة أثبتت إني مش الأب.»
شعرت أنني لم أعد أفهم لماذا احتاج أصلًا أن يثبت ذلك.
قلت:
— «ليش احتجت تعمل فحص إذا أصلًا ما كان بينكم شي؟»
لم يجب.
رنا قالت بعصبية:
— «لأن كريم اتهمني إني كنت مع سامر.»
قلت:
— «وكريم عمل الفحص؟»
هزت رأسها.
— «رفض يعطي عينة.»
في تلك اللحظة رن هاتفي.
نظرت إلى الشاشة.
كريم.
رنا شهقت.
قالت:
— «لا تردي.»
رفعت عيني إليها.
ثم إلى سامر.
وضعت الهاتف على السماعة الخارجية.
— «ألو.»
جاء صوت كريم:
— «هالة، وينك؟»
قلت:
— «بالبيت.»
صمت.
ثم قال:
— «رنا عندك؟»
نظرت إلى أختي.
— «آه.»
تغير صوته فورًا.
— «لا تصدقيها.»
رنا صرخت:
— «كذاب!»
قال كريم:
— «حطيتي السبيكر؟»
قلت:
— «رنا بتحكي إنه كان بينكم علاقة.»
صمت.
ثم قال:
— «كانت غلطة.»
نظرت إلى رنا.
وجهها انهار.
قلت:
— «والحمل؟»
تأخر كريم في الرد.
ثم قال:
— «الطفل مش ابني.»
رنا وقفت.
— «كذاب! إنت عارف إنه ابنك!»
قال كريم:
— «إنتِ كنتِ بتشوفي واحد ثاني.»
صرخت:
— «مين؟ احكي مين!»
قال كريم:
— «اسألي سامر.»
التفتُّ إلى زوجي.
قلت:
— «شو دخل سامر؟»
قال كريم:
— «اسأليه ليش هو اللي دفع تكاليف المستشفى.»
قال سامر بعصبية:
— «لأني كنت الوحيد اللي معها!»
ضحك كريم.
— «آه؟ واحكيلها كمان عن التاريخ.»
قلت:
— «أي تاريخ؟»
ساد صمت.
قال كريم:
— «تاريخ الحمل.»
شعرت بقلبي يضرب بقوة.
أكمل:
— «الفترة اللي هي بتحكي إنها حملت مني فيها… سامر كان قايل لهالة إنه مسافر شغل.»
نظرت إلى سامر.
وجهه تغير.
قلت:
— «كنت وين؟»
قال:
— «هالة، الموضوع مش هيك.»
وضعت يدي على رأسي.
الجملة نفسها.
دائمًا الجملة نفسها.
رنا قالت:
— «هو ما كان معي.»
كريم قال:
— «طبعًا.»
صرخت:
— «كلكم اسكتوا!»
ساد الصمت.
ثلاثة أشخاص.
زوجي.
أختي.
والرجل الذي ظننت أنه أعاد إليّ شعورًا فقدته منذ سنوات.
وكل واحد منهم يحمل نسخة مختلفة من الحقيقة.
سامر يقول إن رنا لجأت إليه لأنها خائفة عليّ.
رنا تقول إن طفلها كان من كريم.
كريم يقول إنه ليس الأب، وإن هناك رجلًا آخر.
وسامر لديه فحص يقول إنه ليس الأب.
لكن كريم رفض أن يفحص نفسه.
قلت بصوت منخفض:
— «أنا مين فيكم أصدق؟»
لم يجب أحد.
نظرت إلى رنا.
ثم إلى سامر.
ثم إلى الهاتف الذي ما زال كريم على الطرف الآخر منه.
وفهمت أن أكبر خطأ ارتكبته لم يكن ذهابي إلى شقة كريم.
ولا كذبي على سامر.
ولا حتى ردي على الرسالة الأولى.
أكبر خطأ كان أنني اعتقدت أنني الوحيدة التي تخفي سرًا.
لأن أختي كانت تخفي أكثر مني.
وزوجي كان يعرف أكثر مني.
وكريم كان يكذب أكثر مما توقعت.
والمشكلة أنني بدأت أخاف…
أن يكونوا جميعًا كاذبين.
يتبع… 🔥
الجزء الرابع: الحقيقة التي ستجبر هالة على الاختيار بين زوجها وأختها… وستكشف من بدأ اللعبة فعلًا.





