
لم أعد أعاتب : الجزء الثاني الرسالة الثانية التي لم تستطع حذفها
لم أنم تلك الليلة.
بقيت الرسالة مضيئة في عقلي أكثر مما كانت مضيئة على الشاشة:
**"امرأة مثلك لا يجب أن تكون حزينة بهذا الشكل."**
جملة عادية.
لو قرأها أي شخص لقال إنها مجرد مجاملة رخيصة.
لكن بالنسبة لامرأة لم تسمع كلمة جميلة منذ شهور…
كانت كمن يعطي ماءً لعطشان في صحراء.
من كان؟
فتحت الرقم.
الصورة فارغة.
الاسم غير محفوظ.
لكنني تذكرت.
كان زميلًا قديمًا من الجامعة.
لم يكن بيننا شيء يومًا.
فقط إعجاب صامت مات قبل أن يولد.
كان الوحيد الذي كان يناديني:
**"العنيدة الجميلة."**
لأنني كنت أجادل كل المحاضرين ولا أتنازل بسهولة.
ترددت طويلًا…
ثم كتبت:
**"مين؟"**
رد بعد أقل من دقيقة، وكأنه كان ينتظر والهاتف في يده:
**"عرفت إنكِ رح تتذكريني… أنا كريم."**
دق قلبي.
ليس حبًا.
بل خوفًا.
خوفًا من نفسي.
كتب بعدها:
**"شفت صورتك بالصدفة. نفس النظرة… بس الحزن فيها صار أكبر."**
أردت أن أكتب:
**"لا تراسلني."**
أردت أن أحظره.
أردت أن أكون الزوجة القوية التي تغلق الباب في وجه أي ريح قد تدخل بيتها.
لكن يدي لم تفعل.
كتبت فقط:
**"أنا متزوجة."**
جاء رده:
**"بعرف… وبعرف إنكِ مخلصة أكثر من اللازم، حتى على حساب نفسك."**
كانت تلك هي الجملة التي لم أستطع حذفها.
**مخلصة أكثر من اللازم… حتى على حساب نفسي.**
نعم.
كنت مخلصة لبيت لم يعد يسمعني.
لرجل ينام بجانبي ويتركني وحيدة.
لصورة المرأة القوية التي رسمتها لنفسي…
بينما أنا من الداخل كنت أتآكل بصمت.
في الصباح، استيقظ زوجي.
شرب قهوته.
ارتدى ملابسه.
ومر بجانبي وأنا واقفة في المطبخ بنفس الملابس التي كنت أرتديها منذ الليلة الماضية، بعينين منتفختين من السهر.
لم يقل:
**"مالك؟"**
لم يسأل:
**"نمتِ؟"**
ولا حتى:
**"ليش عيونك هيك؟"**
نظر نحوي وقال فقط:
— القميص الأزرق ما انكوى؟
قلت:
— لا.
قال:
— طيب.
وخرج.
في تلك اللحظة…
لم أبكِ.
ابتسمت.
ابتسامة باردة أخافتني أنا نفسي.
لأنني فهمت شيئًا قاسيًا:
**لو اختفيت اليوم… ربما سيبحث عن القميص الأزرق قبل أن يبحث عني.**
فتحت هاتفي.
كانت هناك رسالة جديدة من كريم:
**"أنا ما بدي منكِ شي. بس لا تطفئي نفسك عشان تنيري بيتًا ما عاد يشوف نورك. أنتِ تستحقين إن حد يسألك: كيف قلبك اليوم؟"**
قرأتها.
مرة.
ومرتين.
ثم أغلقت الهاتف.
لكنني لم أحذف الرسالة.
تركتها هناك…
كذنب صغير لا يراه أحد.
لكني أراه.
دخلت غرفة النوم.
فتحت الخزانة.
وفي الخلف كان هناك فستان لم أرتده منذ سنتين.
كنت قد أخفيته بعد أن قال زوجي مرة:
**"البسي شي أستر."**
أخرجته.
لبسته.
وضعت عطري القديم.
سرحت شعري.
ثم وقفت أمام المرآة.
لم أكن أتزين لكريم.
ولم أكن أحاول استفزاز زوجي.
كنت أحاول فقط أن أرى المرأة التي نسيتها.
المرأة التي كانت تضحك.
وتحب نفسها.
وتنظر إلى المرآة دون أن تسأل:
**"ما العيب فيّ؟"**
في المساء سمعت صوت المفتاح في الباب.
عاد زوجي.
ولأول مرة منذ سنوات…
لم أركض لأستقبله.
بقيت جالسة أمام المرآة.
دخل الغرفة.
رآني.
وتوقف.
نظر إليّ طويلًا.
كأنه يراني لأول مرة بعد غياب.
قال بدهشة حقيقية:
— لوين رايحة؟
نظرت إليه من خلال المرآة.
ثم قلت بهدوء لم يعتده مني:
**— ولا مكان… كنت رايحة لنفسي، ورجعت.**
ظل واقفًا.
مرتبكًا.
كأن الجملة لم تمر عليه بسهولة.
لأول مرة منذ شهور…
كان ينظر إليّ فعلًا.
ليس إلى ملابسي.
ولا إلى الطعام.
ولا إلى البيت.
إليّ أنا.
لكن في نفس اللحظة…
اهتز هاتفي داخل جيبي.
مرة.
ثم مرة ثانية.
أنزلت عيني نحوه.
كانت رسالة جديدة من كريم.
**الرسالة الثالثة.**
مددت يدي نحو الهاتف…
ثم توقفت.
زوجي كان ما يزال واقفًا خلفي.
ينظر إليّ.
وكريم كان ينتظر خلف شاشة صغيرة.
وأنا كنت في المنتصف…
بين رجل بدأ أخيرًا يلاحظني،
ورجل لاحظني قبل أن أطلب منه ذلك.
لم أفتح الرسالة.
لكنني أيضًا…
**لم أحذفها.**
**انتهى الجزء الثاني.**
برأيكم…
هل تفتح الرسالة الثالثة وتدخل في دوامة قد لا تستطيع العودة منها؟
أم أن نظرة زوجها المرتبكة ستكون بداية عودته إليها؟
اكتبوا رأيكم 👇
**الجزء الثالث:**
**"حين لاحظ أخيرًا."**





