
كل خميس كنت أكذب عليه – الجزء الخامس: الشقة القديمة
وقفت أقرأ الرسالة بصوت عالٍ حتى يسمعها هو.
«أنا المرأة اللي كان سامر يلتقيها قبل رنا.»
رفعت عيني إلى سامر.
لأول مرة منذ تزوجته، لم أرَ زوجي أمامي.
رأيت رجلًا غريبًا يقف في بيتي، أعرف ملامحه… ولا أعرف حياته.
قلت:
— كم واحدة يا سامر؟
قال وهو يلهث كأنه هو المحاصر:
— هالة، والله كل اللي قبل رنا انتهى قبل ما أعرفك.
نظرت إليه طويلًا.
— واللي بعد ما عرفتني؟ رنا؟
سكت.
قلت:
— يعني الماضي انتهى… وبعدين إنت رجعت فتحته بإيدك.
خفض رأسه.
فتحت المحادثة مع الرقم المجهول وكتبت:
— مين إنتِ؟
ردت بعد ثوانٍ:
«كنت مفكرة حالي الوحيدة اللي انضحك عليها. طلعنا كثير.»
ثم أرسلت عنوانًا.
عنوان بناية قديمة في منطقة كنت أسمع سامر يذكرها أحيانًا، ثم يغيّر الموضوع بسرعة.
مرة قال إنها «شقة صاحبي».
كتبت لها:
— شو بدك مني؟
ردت:
«ولا شي. بس حبيت تعرفي إنك مش أول وحدة دخل بحياتها يوم الخميس كذبة.»
سامر كان يراقب أصابعي وهي تتحرك فوق الشاشة.
قال:
— لا تروحي.
لم أرد.
اقترب خطوة.
— هالة… بترجاكي، لا تروحي على العنوان.
رفعت رأسي نحوه.
— خايف أروح أشوف الشقة؟ ولا خايف أشوف النسخة القديمة منك؟
جلس على الكنبة كأن قدميه لم تعودا تحملانه.
قال بصوت مكسور:
— أنا قبل الزواج كنت شخص ثاني. كنت ضايع. عملت أشياء كثير بندم عليها. بس لما عرفتك… تغيرت.
قلت:
— وبعدين؟
سكت لحظة.
— وبعدين رجعت رنا… وأنا عملت أكبر غلطة بحياتي.
قلت:
— لا تسميها غلطة.
نظر إلي.
— الغلطة بتصير مرة وبتنتهي. إنت خبّيت، وكذبت، ودفعت مصاري، وعملت فحص، وخليت كريم يتدخل… هاي مش لحظة. هاي سلسلة قرارات.
لم يجد جوابًا.
ذكرت اسم كريم.
وفجأة شعرت أن هناك قطعة أخيرة لم أفهمها بعد.
قلت:
— كريم كان يعرف كل شي عنك من الأول… صح؟
رفع رأسه ببطء.
ثم أومأ.
— كريم صاحبي من زمان.
شعرت ببرودة في أطرافي.
تابع:
— هو اللي كان مأجر الشقة القديمة. ولما رنا بلشت تهددني، طلبت منه يحكي معها بدالي عشان ما توصلك القصة.
قلت:
— وكان يعرف إني مرتك؟
— أكيد.
— وكان يعرفني من الجامعة؟
تردد.
ثم قال:
— لما شاف صورتنا من العرس، قال إنه بعرفك.
ابتسمت ابتسامة لم يكن فيها أي فرح.
— وبعدين بدأ يحكي معي.
قال بسرعة:
— والله أنا ما بعثته إلك.
— بس كنت تعرف بعدين؟
لم يجب مباشرة.
اقتربت منه.
— كنت تعرف يا سامر؟
قال:
— عرفت بعد فترة.
شعرت أن شيئًا بداخلي انكسر للمرة الثالثة في ليلة واحدة.
قلت:
— وسكت؟
— كنت بدي أعرف لوين رح يوصل الموضوع.
حدقت فيه.
— يعني كنت تراقبني؟
— لا…
— كنت تراقبني!
ارتفع صوتي.
— كل خميس كنت أنا أكذب عليك وأقول إني طالعة مع صاحبتي… وإنت تكذب علي وتقول عندك شغل… وكريم بالنص يعرف أسرارك ويعرف أسراري!
قال:
— هالة…
صرخت:
— لا تقول اسمي!
جلس الصمت بيننا ثقيلًا.
ثم جلست على الأرض.
لم أعد أملك قوة الوقوف.
بعد دقائق قلت:
— بدي أسألك سؤال واحد، وبدي جواب بدون لف.
رفع عينيه إلي.
قلت:
— لما رنا قالت إنها حامل… إنت صدقتها لأنك كنت مقتنع فعلًا إنه ممكن يكون ابنك؟
لم يحتج السؤال إلى شرح.
فهم.
وأنا فهمت الجواب من وجهه قبل أن يتكلم.
قال:
— إيه.
أغمضت عيني.
لم أبكِ.
هذه المرة كان الألم أكبر من الدموع.
قلت:
— قوم.
— هالة…
— قوم اطلع من البيت.
وقف مكانه.
— اسمعيني دقيقة.
— ما ضل شي أسمعه الليلة.
اقترب خطوة.
تراجعت.
— قلت اطلع.
أخذ مفاتيحه.
وصل إلى الباب، ثم التفت.
— والشقة؟
ضحكت بمرارة.
— خفت أروح؟
سكت.
قلت:
— أنا مش رايحة على الشقة.
تنفس كأنه ارتاح.
فأكملت:
— أنا رايحة على بيت أهلي.
عاد وجهه يتغير.
— والشقة خليها إلك… ولذكرياتك.
فتح الباب.
وقبل أن يخرج قال:
— أنا عارف إني ما بستحق تطلعي بوجهي. بس في أشياء لسه ما عرفتيها.
قلت:
— احتفظ فيها لليوم اللي أقرر فيه إذا بدي أسمعك أصلًا.
خرج.
أغلق الباب خلفه.
وبقيت وحدي.
الهاتف بين يدي يحمل ثلاثة أسماء دمّرت آخر سنة من حياتي:
كريم.
رنا.
والمرأة المجهولة.
فتحت محادثة كريم.
كتبت:
«كنت بتعرف إن سامر زوجي لما بلشت تحكي معي؟»
ظهرت علامة القراءة فورًا.
رد:
«إيه.»
كتبت:
«وكنت بتعرف إنه نفس سامر اللي كنت تساعده مع رنا؟»
رد:
«إيه.»
شعرت بقلبي يهبط.
كتبت:
«وليش كملت؟»
لم يرد فورًا.
دقيقة.
دقيقتان.
ثم وصلت رسالة طويلة:
«لأني كنت شايف إنك عايشة داخل كذبة كبيرة. غلطت لما قربت منك بالطريقة هاي، وغلطت لما خليتك تثقي فيّ وأنا بعرف أشياء إنتِ ما بتعرفيها. ما كنت بدي أكون عشيقك يا هالة. بس كنت بدي الحقيقة تطلع. وطريقتي كانت غلط.»
قرأت الرسالة مرتين.
ثم حظرته.
لم أرد.
لا أريد تفسيرًا جديدًا من رجل جديد.
فتحت محادثة المرأة المجهولة.
كتبت:
«شكرًا إنك قلتيلي الحقيقة. أنا مش رايحة على الشقة.»
انتظرت لحظة.
ثم كتبت:
«أنا رايحة على مكان أهم.»
أغلقت الهاتف.
ولأول مرة منذ بدأت هذه الحكاية، توقفت عن محاولة معرفة من هو المظلوم ومن هو المذنب.
لأنني أنا أيضًا كنت مخطئة.
كنت أكذب كل خميس.
كنت أبحث عن اهتمام وكلمة حلوة في المكان الخطأ.
ولم يعد عندي عذر لذلك.
لكن سامر أيضًا كذب.
والفرق أنني هذه الليلة لم أحاول أن أبرئ نفسي…
ولم أسمح له أن يبرئ نفسه.
قمت.
توضأت.
صليت ركعتين لم أصلِّ مثلهما منذ شهور.
وفي السجود بكيت.
ليس على سامر وحده.
ولا على كريم.
ولا على نفسي الحالية.
بكيت على هالة القديمة…
هالة التي كانت تعتقد أن الزواج يعني أن نبقى معًا مهما كذبنا على بعض.
ذهبت إلى بيت أهلي قبل الفجر.
ولأول مرة منذ وقت طويل، نمت من دون أن أختلق قصة لأحد عن مكان وجودي.
في الصباح، استيقظت على رسالة من سامر.
«أنا نايم بالسيارة قدام بيت أهلك. ما رح أتحرك لحد ما تحكي معي. مش عشان ترجعي… بس عشان أحكي كل شي مرة وحدة، وأصلّح اللي بقدر عليه قبل ما تروحي مني نهائي.»
اقتربت من الشباك.
أزحت الستارة قليلًا.
كانت سيارته هناك فعلًا.
وسامر جالس بداخلها.
رأسه مسنود إلى المقعد.
ملابسه نفسها منذ الليلة الماضية.
وفي يده هاتفه.
راقبته لثوانٍ.
ثم ابتعدت عن الشباك.
لم أكن أعرف هل أنزل إليه…
أم أتركه ينتظر قليلًا حتى يفهم كيف يشعر الإنسان عندما يبقى وحده، لا يعرف إن كان الباب سيفتح له أم لا.
لكن قبل أن أقرر…
اهتز هاتفي.
رسالة جديدة.
من المرأة المجهولة.
فتحتها.
وكان فيها سطر واحد فقط:
«قبل ما تنزلي لسامر… اسأليه مين كان موجود بالشقة القديمة آخر ليلة.»
توقفت أنفاسي.
ونظرت مرة أخرى من النافذة.
هذه المرة…
سامر كان ينظر مباشرة نحو نافذتي.
يتبع…
الجزء السادس: الليلة التي اعترف فيها الجميع
هل تنزل هالة لمواجهة سامر وجهًا لوجه؟
ومن كان موجودًا في الشقة القديمة في تلك الليلة؟
وهل انتهى دور كريم فعلًا… أم أن اعترافه الحقيقي لم يبدأ بعد؟





