
كل خميس كنت أكذب عليه – الجزء الرابع: الليلة التي خانني فيها الجميع
ظل صوت كريم يخرج من الهاتف، وأنا واقفة مكاني كأن أحدًا ثبّت قدمي في الأرض.
قال بصوت منخفض:
— هالة… في أشياء لازم تعرفيها، بس مش على التلفون.
نظرت إلى سامر.
كان واقفًا أمامي، وجهه شاحب، وعيناه لا تعرفان أين تهربان.
قبل دقائق فقط كنت أظن أنني أنا الخائنة في هذه الحكاية… أنا التي كنت أكذب عليه كل خميس، وأنا التي أخفيت عنه لقاءاتي واتصالاتي.
لكن فجأة شعرت أن كل شيء أعرفه عن زوجي كان كذبة أكبر من كذبتي.
قلت لكريم:
— احكي. ما عاد في شي ممكن يخوفني.
سكت لحظات، ثم قال:
— رنا ما كانت تعرف سامر من قريب… رنا كانت معه قبل كل اللي صار بينك وبيني.
نظرت إلى سامر.
قلت:
— شو يعني "كانت معه"؟
لم يرفع عينيه.
صرخت:
— سامر! شو يعني؟!
جلس على طرف الكنبة ووضع يديه على رأسه.
ثم قال الجملة التي لم أتوقع أن أسمعها منه يومًا:
— قابلتها مرتين.
شعرت أن الغرفة كلها دارت حولي.
قلت:
— قابلتها… ولا نمت معها؟
ظل صامتًا.
وكان صمته هو الجواب.
ضحكت رغم أنني كنت على وشك البكاء.
— مرتين؟
رفع رأسه وقال:
— الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
قلت:
— كل واحد بينفضح بيحكي نفس الجملة.
اقترب مني.
— هالة، اسمعيني…
ابتعدت عنه.
— لا تلمسني.
وقتها عاد صوت كريم من الهاتف:
— هالة، لسه في أسوأ.
تجمد سامر.
ونظرت إليه.
هذه المرة لم يكن في وجهه خوف من خسارتي فقط…
كان هناك خوف حقيقي من شيء آخر.
قلت لكريم:
— كمل.
قال:
— رنا كانت حامل.
شعرت أن الهواء اختفى من الغرفة.
نظرت إلى سامر.
— حامل من مين؟
قال سامر بسرعة:
— مش مني.
صرخت:
— وكيف عرفت إنها مش منك؟
لم يجب.
وهنا قال كريم:
— لأنه عمل فحص أبوة.
لم أعد أفهم شيئًا.
أنا زوجته.
ومع ذلك هناك امرأة أخرى، وحمل، وفحص أبوة… وأنا لم أعرف شيئًا.
قلت:
— وين الفحص؟
سامر بقي ساكتًا.
كريم قال:
— عندي نسخة.
سمعت سامر يصرخ:
— كريم! لا تدخل حالك!
لكن كريم رد بهدوء:
— إنت اللي دخلتنا كلنا.
بعد دقائق وصلتني صورة على هاتفي.
فتحتها.
اسم سامر موجود.
النتيجة واضحة.
احتمالية الأبوة: مستبعدة.
سامر لم يكن الأب.
رفعت عيني إليه.
— يعني كنت مستعد تكون أبو طفل من وحدة ثانية وأنا عايشة معك بنفس البيت؟
قال:
— أنا ما كنت أعرف إذا الطفل إلي أو لا.
قلت:
— وهذه بتريحك يعني؟
لم يرد.
جلست.
لأول مرة منذ بدأت هذه الحكاية، لم أعرف من هو المظلوم ومن هو الخائن.
كل واحد منا كان يخفي شيئًا عن الآخر.
لكن كريم لم يكن قد انتهى.
قال:
— هالة… رنا ما كانت ساكتة بعد النتيجة.
قلت:
— شو عملت؟
— صارت تهدد سامر.
سامر أغمض عينيه.
قلت:
— تهدده بشو؟
قال كريم:
— بفيديوهات.
نظرت إلى سامر مرة ثانية.
هذه المرة تغير وجهه بالكامل.
قلت:
— أي فيديوهات؟
اقترب سامر مني وقال:
— هالة، الموضوع قديم وانتهى.
قلت:
— واضح إنه ما انتهى.
أرسل كريم ملفًا آخر.
لم أفتحه مباشرة.
كنت خائفة.
قال كريم:
— الفيديوهات مش زي ما ممكن يخطر ببالك. أغلبها تسجيلات من لقاءاتهم ومحادثاتهم. رنا كانت تسجل من غير ما يعرف.
قلت:
— وليش؟
أجاب:
— لأنها كانت بدها مصاري.
سامر ضرب الطاولة بيده.
— كذاب!
لكن كريم أكمل:
— أول مرة دفعتلها، سامر؟
صمت.
— وثاني مرة؟
صمت.
— ولما بطلت تدفع… شو عملت؟
سامر خطف الهاتف من يدي وأغلق المكالمة.
قلت:
— رجع التلفون.
— خلص يا هالة.
— أعطيني تلفوني.
— حكيت خلص!
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت بهدوء:
— أول مرة بحياتي أخاف منك.
تغيرت ملامحه فورًا.
أعاد الهاتف إليّ.
وقال:
— أنا حاولت أحمي البيت.
ضحكت بمرارة.
— تحمي البيت من مين؟ مني؟ منها؟ ولا منك؟
جلس مرة ثانية.
وبدأ يحكي.
قال إن رنا ظهرت في حياته قبل عدة أشهر.
في البداية كانت مجرد معرفة.
ثم حصلت العلاقة.
مرتين فقط، كما أقسم.
بعدها أخبرته أنها حامل.
طلبت منه المال.
خاف.
وافق على الفحص.
وحين ظهرت النتيجة وأن الطفل ليس ابنه، ظن أن كل شيء انتهى.
لكن رنا كانت قد سجلت لقاءاتهم.
وصارت تطلب المال مقابل أن تبقى صامتة.
قلت:
— وليش كريم يعرف كل هذا؟
وهنا عاد الصمت.
هذا السؤال تحديدًا أخافني أكثر من كل شيء قبله.
قلت:
— سامر… ليش كريم يعرف؟
قال:
— لأنه ساعدني.
— ساعدك كيف؟
— كنت محتاج حدا يتواصل معها بدالي.
شعرت بضربة ثانية.
كريم، الرجل الذي بدأت أتكلم معه وأنا أظن أن سامر لا يعرف شيئًا…
كان على اتصال بسامر من البداية.
وفجأة تذكرت المكالمة.
اسم سامر على هاتف كريم.
الرسائل الغريبة.
التوقيت.
أيام الخميس.
كل شيء بدأ يركب فوق بعضه بطريقة مرعبة.
قلت:
— يعني كريم كان يعرفني قبل ما أقابله؟
قال سامر:
— لا أعرف.
— كذاب.
— والله ما بعرف.
— طيب ليش كل مرة كان يختار الخميس؟
لم يجب.
اقتربت منه.
— سامر… شو قصة يوم الخميس؟
تغير وجهه مرة أخرى.
ولأول مرة شعرت أن رنا ليست السر الحقيقي.
قلت:
— في وحدة ثانية؟
قال بسرعة:
— لا.
— طالع في عيوني واحكي لا.
نظر إلي.
لكنه لم يستطع قولها.
في تلك اللحظة وصل إشعار إلى هاتفي.
رقم مجهول.
رسالة واحدة:
«إذا بدك تعرفي ليش سامر بخاف من يوم الخميس… اسأليه عن الشقة القديمة.»
رفعت الهاتف أمام وجهه.
قلت:
— أي شقة؟
وقف فجأة.
— احظري الرقم.
— مين هاي؟
— هالة، احظريه.
وصلت رسالة ثانية.
«رنا مش أول وحدة.»
بدأت يداي ترتجفان.
سامر حاول أخذ الهاتف، لكنني ابتعدت.
ثم وصلت صورة.
صورة قديمة لسامر خارج بناية لم أرها في حياتي.
التاريخ في أسفل الصورة كان قبل زواجنا بسنوات.
واليوم…
كان يوم خميس.
كتبت للرقم:
مين إنتِ؟
ظهرت علامة الكتابة.
اختفت.
ثم ظهرت مرة ثانية.
سامر كان واقفًا أمامي يكرر:
— لا تردي… هالة، بالله عليكِ لا تردي.
لكن الرسالة وصلت.
وقرأتها أمامه.
«أنا المرأة اللي كان سامر يلتقيها قبل رنا.»





